عبد الفتاح عبد المقصود

46

في نور محمد فاطمه الزهراء

القاع والبقاع ، وتتقاطر على الحجر والمقام . امرؤ واحد « 1 » في هذا المعترك المعتكر هو الذي خالف الإجماع ، عرف كيف يتحرّر من رِبْقة « 2 » الضغينة . طفا بنفسه على سطح مستنقع النزاع الذي أوشك قومه أن يغرقوا فيه ، لاذ من قيظ الحمق بظلّ الحكمة ، وفَاءَ إلى رفق الأناة من هجير « 3 » الصراع . وفي هدوءٍ وثقةٍ ، تقدّم يتوسّط بجسده الفارع الضامر « 4 » الفريقين ، وهو يمدّ أمامه ذراعين صليّين كرُمْحين ، كأنّما ليطعن بهما شيطان الخلاف المشبوب « 5 » . أينبوع حكمةٍ ؟ أصيغ من محبّةٍ ؟ أم هو ذلك القدّيس الذي حارب التنّين ؟ * * * كان قوامه فارعاً ناحلًا معتدلًا كقناة ، وكان سمته خطوطاً من الغضون ، وندفاً « 6 » من المشيب ، على كتفيه كان يحمل أكواماً من الأعوام ، فقد علت به السنّ ، وبرّته « 7 » الأيام . لكنّه صاح فيهم بزئير ليث « 8 » ريق الشباب ، غضّ الإهاب « 9 » : - يا معشر قريش ! فسربلهم الصمت ، والتوت منهم إليه الرقاب . - يا معشر قريش !

--> ( 1 ) . والشخص هو أبو أُمية بن المغيرة ، وكان أسنّ قريش حينذاك . راجع تاريخ ابن الأثير 2 : 45 . ( 2 ) . الرِبْقة : العروة في الحبل ، وهنا كناية عن الكربة والشدّة التي وصلت إليها الضغينة والشحناء بين القوم . ( 3 ) . الهَجير : شدة الحرّ . ( 4 ) . الفارع : الطويل ، والضامر : النحيف . ( 5 ) . المشبوب : المتوقّد ، وهنا كناية عن النشاط والهيجان . ( 6 ) . النُدَف : القليل من الشيء ، كأنّه قُطنة بيضاء نُدفت . ( 7 ) . بَرَّته : أي أطاعته الأيام في جريانه معه ، وهنا كناية عن كبر السنّ وبلوغ العمر مبلغه . ( 8 ) . الليث : الأسد . ( 9 ) . الإهاب : الجلد ما لم يدبغ منه ، وهنا يريد البشرة